المقداد السيوري
562
اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية
ومقتضى عموم « من » الشرطية أنّ من آمن بهذا الدين ودان به اعتمادا على قول الرجال سواء حصل له من قولهم العلم أم لا ، يكون إيمانه وإسلامه متزلزلا في معرض الزوال ، وأمّا من دان بهذا الدين بنور القرآن والسنّة ، فهو يخرج من ظلمات الكفر والضلالة ، ويدخل في الإسلام بالفهم والمعرفة ، يعني من قبل الإسلام على ضوء الأدلّة والبراهين العقلية التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه الكريم تصريحا أو تلويحا ، يكون إيمانه على أساس مستحكم وتزول جبال الأرض قبل أن يزول إيمانه واعتقاده . وغير خفيّ على العاقل البصير أنّ العلم الحاصل من التقليد هو العلم العادي كما هو الغالب في التقاليد ، وهو الظن الاطمئناني ، وهو يحتمل الخلاف ، والذي يحتمل الخلاف واضح البطلان في أصول الدين ، والمطلوب هو العلم القطعي الذي لا يحتمل الخلاف وإلّا فالعقل لا يفرّق بين أسباب العلم القطعي سواء حصل عن تقليد أو نظر ، نعم إن حصل العلم القطعي من التقليد فيكفي في المطلوب ، وهو حصول العلم في أصول الدين كما ذكره الشيخ الأعظم الأنصاري ( ره ) ولكن الشأن في حصول العلم القطعي من التقليد ، فإنّ الحاصل منه هو العلم العادي وهو الظن الاطمئناني ، والظنّ لا يغني من الحقّ شيئا كما عرفت . وقد أشرنا إلى ذلك في تعاليقنا على أوائل الكتاب « 1 » . فبعد ما تبيّن أنّ معرفة أصول الدين والاعتقاد بالمعارف الخمسة لا بدّ وأن يكون بالدليل والبرهان والحجة والإيقان ، فلا محيص من التنبيه على أنّ هذه المعرفة لا تتوقّف على الخوض في مباحث علم الكلام ، والتوغّل في مطالبه ، واستقصاء ما ذكره المتكلّمون في الكتب الكلامية بأسرها وإن كانت تلك المباحث والمطالب والأدلّة تفيد العلم وتوجب المعرفة إلّا أنّ معرفتها والخوض فيها والإحاطة بها لا يجب عينا ، بل تطويل للمسافة ويوجب بعد الطريق مع وجود الطريق القريب ؛ فإنّ كلّ ما أوجب اللّه تعالى معرفته على عموم المكلّفين ، فالعقل حاكم على أنّه يجب أن تكون أدلّة
--> ( 1 ) انظر ص 81 - 82 .